ملا محمد مهدي النراقي

295

جامع السعادات

نزوله عن عرش جلاله إلى درجة أفهام خلقه : فلينظر كيف لطف بخلقه في إيصال معاني كلامه الذي هو صفة قائمة بذاته إلى أفهام خلقه ، وكيف تجلت لهم تلك الصفة في طي حروف وأصوات هي صفات البشر ، إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم صفات الله إلا بوسيلة صفات نفسه ، ولولا استتار كنه جمال كلامه بكسوة الحروف ، لما ثبت لسماع كلامه عرش ولا ثرى ، ولا شئ بينهما ، من عظمة سلطانه وسبحات نوره ، ولولا تثبيت الله موسى ( ع ) لما أطاق سماع كلامه ، كما لم يطق الجبل مبادي تجلية حيث صار دكا ، ولا يمكن تفهيم عظمة الكلام إلا بأمثلة على حد فهم الخلق ، ولهذا عبر عنه بعض العارفين ، فقال : ( إن كل حرف من كلام الله في اللوح أعظم من جبل قاف ، وإن الملائكة لو اجتمعت على الحرف الواحد أن ينقلوه ما أطاقوه ، حتى يأتي إسرافيل ، وهو ملك اللوح ، فيرفعه . فنقله بأذن الله ورحمته ، لا بقوته وطاقته ) . وإيصال معاني الكلام مع علو درجته إلى فهم الإنسان مع قصور رتبته ، تشابه من درجة تصويت الإنسان البهائم والطيور . فإن الإنسان لما أراد تفهيم بعض الدواب والطيور ما يريد من إقبالها وإدبارها وتقديمها وتأخيرها ، وكان تمييزها قاصرا عن فهم كلامه الصادر عن عقله مع حسنه وترتيبه وبديع نظمه ، فينزل إلى درجة تمييز البهائم ، ويوصل مقاصده إليها بأصوات لائقة بها ، من النفير والصفير والأصوات القريبة من أصواتها ، يطيقون حملها . وكذلك الناس ، لما كانوا عاجزين عن حمل كلام الله بكنه وكمال صفاته ، فتنزل من عرش العظمة والجلال إلى درجة إفهامه ، فتجلى في مظاهر الأصوات والحروف ، وقد يشرف الصوت لأجل الحكمة المحبوة فيه . فكما أن بدن البشر يكرم ويعزز لمكان الروح ، فكذلك أصوات الكلام تشرف للحكمة التي فيها . والكلام عالي المنزلة ، رفيع الدرجة ، قاهر السلطان ، نافذ الحكم في الحق والباطل ، وهو القاضي العادل ، يأمر وينهى ، ولا طاقة للباطل أن يقوم قدام كلام الحكمة ، فلا يستطيع الظل أن يقوم قدام شعاع الشمس ، ولا طاقة للناس أن ينفذوا غور الحكمة ، كما لا طاقة لهم أن ينفذوا بأبصارهم ضوء عين الشمس ، ولكنهم ينالون منها ما تقدم به أبصارهم ويستدلون به على